الطفلة تالة وشقيقها وليد
 
الطفلة تالة وشقيقها وليد

فضل الطاعة ..

تالا طفلة مرحة نشيطة ، وأما شقيقها الأكبر وليد فهو هادئ وودود ، وهو تلميذ مجد في الدراسة ، وولد بار بوالديه ، وأخ محب جداً لشقيقته ، فهو يعتني بها ويلعب معها أثناء النهار ، كي يفسح لأمه المجال للطبخ وأعمال المنزل.  ولما كان اليوم هو موعد استلام وليد أوراق نجاحه من المدرسة ، حيث نال درجة ممتاز ، وحصل على تقدير عال وهدايا من المعلمة ، فإن فرحة أمه بذلك النجاح جعلتها ترغب بعمل حفلة صغيرة في البيت ، فطلبت من وليد أن يذهب إلى البائع القريب من البيت لشراء ما يلزم لصنع الحلوى ، وعندما شاهدت تالا أخاها يريد الذهاب ، أخذت ترجوه أن يأخذها معه ، فرق قلبه لطلب أخته الغالية وطلب من أمه السماح لها بمرافقته.  وافقت الأم بشرط أن يسيرا على الرصيف ، ولا يتكلما مع أحد من أطفال  الشوارع أبداً ، قالا .. نعم يا أماه ، لك ما تريدين ، ولكن تالا لفرط حيويتها وشدة طيشها نسيت وصية أمها فور مشاهدتها الأطفال في الشارع ، فأخذت تكلمهم وتلعب معهم ، ونزلت عن الرصيف وأخذت تسير وسط الشارع ، فانزعج  وليد من أخته جداً وثارت حفيظته ، فصار يؤنبها على مخالفتها لأمر والدتهما ، وعدم تقيدها بوعدها لها ، وأخذ يحثها على تنفيذ نصيحة أمها كي يحد من طيشها ، ولكن تالا لم تفعل ، بل استمرت  وزادت في أعمالها الطائشة ، وبعد أن اشترى وليد الأطعمة من الحليب والبيض والسكر ، وفي أثناء طريقه إلى المنزل ، صارت تالا تركض بعشوائية مما جعل أخاها يرتبك خوفاّ عليها من أن تصدمها سيارة ، أو تؤذي نفسها بأي شيء وهي أخته الغالية ، فأراد أن يحميها من شر طيشها فاختل توازنه وزلت قدمه فوقع على الأرض ، ووقع من يده كل ما كان يحمله ، وقال من شدة فزعه وألمه : يا للهول ، كيف ذلك ؟ وماذا أعمل ؟ ومن شدة حزنه على الأطعمة التي خسرها بسبب طيش أخته ، أخذ يبكي بكاءً شديداً ، وكلما نظر إلى الأرض وشاهد  الأطعمة المهدورة ازداد حزناً وبكاءً ، إلا أن تالا لم تعر أي اهتمام لما حصل ، بل ضحكت وقهقهت ، ثم أخذت تلهو وتعبث بتلك الأطعمة ، خاصة عندما هرعت القطط لتشرب الحليب المسفوح ، فأرادت أن تقلدها ، وهمت لتأكل السكر الوسخ المرمي في الشارع القذر. هنالك طار صواب وليد من تصرف أخته ، فأسرع وجذبها من يدها ، وصار يجرها إلى البيت جراً ، لأنها ما زالت مصرة على عنادها وإيذاء نفسها ولا تريد العودة معه ، وأخذت تلصق قدميها في الأرض وعيناها مسمرتان على القطط ، إلى أن أوصلها البيت بأمان وسلام ، وكله ندم وحسرة على اصطحابه لها ، ولما وصل إلى المنزل وهو لا يزال يبكي ، فتحت الأم الباب فرأت دموعه وما ظهر عليه من العرق بسبب الإرهاق والتعب ، استقبلتهم بادية قلقها وخوفها ، وانهالت عليهم بالأسئلة بقلق ولهفة : لماذا تأخرتم ؟ أين الأغراض ؟ ماذا حصل ؟ لماذا تالا متسخة إلى هذا الحد ؟  وأنت ما هذا الذي على ثيابك ؟ ولماذا تبكي ؟ طمئني أرجوك يا بني ؟! ألزم وليد نفسه الهدوء بجهد جهيد وحكى لها ما أصابه من استهتار أخته ، وعدم إدراكها لنتائج أعمالها ، فتأسفت الأم من فعلة ابنتها ، ومما سببته من أذى وحرج لأخيها ، ومن قلق كبير عليها ، ومن خسارة لأبيها من هدر ثمن الأطعمة التي انسكبت على الأرض ، وعلى تعبها في غسيل الثياب التي اتسخت جداً ، وعلى عبثها في الأطعمة القذرة التي تسبب الأمراض الخطيرة ، وكل ذلك كان بسبب عدم اتباع نصائح أمها ..

       كانت تالا تسمع حوار أمها وأخيها ، فأحست بالخجل والندم ، ولكن هذا لا يكفي كي تكفر عن جملة خسائر حصلت من جراء عدم  مبالاتها لوصية والدتها ، وبعد أن غسلت لها أمها جسمها في الحمام ، وغيرت لها ملابسها ، ألبستها ثياب النوم وحرمتها مشاركة أخيها الاحتفال بنجاحه ،   

وعاقبتها بالبقاء في غرفتها إلى الغد ، وتوعدتها بأن لا تدعها تذهب إلى الشارع مع أحد إلا بصحبتها هي ، إلى أن تعي معنى نصيحة الأم وكم هي مفيدة ، وأرسلت وليد المهذب مرة أخرى ولكن لوحده ، وفعلاً أتى بالأغراض على جناح السرعة وبحذر، والتزم بما طلبت منه والدته تماماً ، فشكرته وأثنت عليه ، ثم دخلت المطبخ لعمل الحلويات قبل أن يأتي والده مع بعض الأقارب للاحتفال بنجاح وليد الغالي ، وما هو إلا وقت قصير حتى حضر أبوه مع المدعوين ومعهم الهدايا الجميلة والمفيدة ، فأكرموه وأنعمواعليه بها ، واحتفلوا معاً أجمل احتفال ، وكان وليد رغم فرحه العظيم ، إلا أنه لم يستطع أن ينسى أخته الحبيبة ، التي سرعان ما نسي شقاوتها معه وتلاشى حنقه عليها ، فأخذ يلح على والدته بأن تعفو عنها وتسمح لها بالاحتفال معه ، ولكنها أصرت على تتمة العقاب لتالا قائلة له بأن ذلك من أجل مصلحتها وسلامتها في المستقبل ..

      جاء الآن دور تالا المسكينة .. فهي  تستمع من غرفتها إلى صوت المرح والضحك من المحتفين بشقيقها ، وقرقعة صحون الأكل اللذيذ ، فأخذت تبكي وقلبها يئن حسرة وندماً على خسارتها الكبيرة من جراء حرمانها من مشاركة ذويها بهجة وجمال الاحتفال ، ولسان حالها يقول : ليتني لم أفعل .. لا ولن أفعل ذلك بعد اليوم .. نادت أمها متأسفة معتذرة ، ووعدتها بأن تطيع كل توجيهاتها على الدوام ، فقبلت الأم الحنون اعتذارها وسمحت لها بمشاركتهم الحفل ، وبذلك تمَّت فرحة وليد .